محمد ابراهيم شادي
تمهيد 7
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
تمهيد لكل رسالة معجزة تؤيدها وتكون دليل صدق الرسول فيما يبلغ عن ربه . وتتنوع المعجزة بحسب المدى الزمني والمكاني لأي رسالة فحيث كانت الرسالة محدودة الزمن والمكان كانت معجزاتها حسية تعتمد على المشاهدة التي ينقطع أثرها بمضي المدى الزمني المحدد للرسالة كقلب العصا حية وانفلاق البحر لموسى عليه السلام وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى عليه السلام ، أما إذا كانت الرسالة ممتدة المدى ليس لها حدود مكانية ولا زمانية كرسالة الإسلام فإنها في حاجة إلى معجزة دائمة بدوام الرسالة إلى أن تقوم الساعة ، تلك المعجزة هي القرآن . لقد تحدى اللّه سبحانه وتعالى العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن إن كانوا صادقين في أنه من تأليف البشر ، فهم بشر ولا تنقصهم الفصاحة ، ولا نقول إن اللّه أعجزهم وإنما تحداهم فعجزوا عن الإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة فيه ، وكانوا يشعرون في دواخلهم أو فيما بينهم أن هذا الأسلوب نمط فريد لا طاقة لبشر به ، بل إن بعض المعاندين لم يستطع الكتمان فجرى على لسانه ما يخفيه ضميره من الاعتراف الصريح بخصوصية القرآن وتميزه عن أساليبهم ، وأنه لا يكون إلا من عند اللّه « 1 » . وهذا التحدي قائم إلى أن تقوم الساعة ، وكان من أظهر الأدلة على صدق التحدي أن أحدا لم يظهر منذ نزل القرآن حتى الآن فيدعي الإتيان بمثل هذا القرآن أو بمثل شيء منه يثبت صدقه . والتحدي ليس للعرب وحدهم ، لأن القرآن لم ينزل لهم وحدهم ، ولكن التحدي للناس جميعا ، أما كونه معجزا للعرب فظاهر واضح ، وأما كونه معجزا لغيرهم فبالقياس والبرهان المنطقي ، لأنه إذا كان معجزا للعرب وهم فصحاء في
--> ( 1 ) راجع أقوال لهم كثيرة تدل على ذلك في الرسالة الشافية لعبد القاهر ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن تحقيق محمد خلف اللّه ومحمد سلام 122 .